عمر كلاب
عمون - كتب عمر كلّاب - لم يوقّر الشعب الاردني مهنة او شخصا , بمقدار الوقار الذي منحه للمعلم وللخطيب الديني , ففي الوقت الذي اسمى الجوار المعلم " المدرس " او " الخوجا " , انحاز وجدان الاردنيين الى لقب المعلم او الشيخ ابان زمن الكتاتيب , وكلا اللقبين له وزن اعتباري نوعي في الوجدان الاردني , بل ان هناك من يدعو المعلم بحارس الاكباد وفلذاتها .
واذا فاخرت البلقاء حاضرة الاردن الاولى بنسب او جاه او زعامة , فإن كل ذلك يتلاشى امام فخر مدينة السلط بمدرستها وبمعلمين تلك المدرسة والخريجين منها .
ولم يستقر في وجدان الاردني قيمة قدر قيمة التعليم , فأقبل الاردني عليه اقباله على حماية المنجز الوطني وحياته , الى الحد الذي تناقصت داخله قيمة الارض المساوية للعرض , من اجل تحصيل علمي للابناء , فكل عواصف الدهر وصروفه لم تدفع الاردني الى بيع ارضه او جزء منها , قبل ان ينحاز الى التعليم وفرصه , فأبدل كرتونة الطابو التي كان يغلفها بكيس بلاستيكي شفاف في صندوق العهدة , بكرتونة جامعية وغلفّها ببرواز زجاجي علقه في صدر المنزل .
وكان الحسين رحمه الله اول من التقط التعليم لبناء الانسان , " مخزون الدولة الاستراتيجي " , فأطلق العنان جامحا لثورة التعليم , فأبتدأها بإلزاميته قبل ان يوفره سبيلا او اقرب الى السبيل لكل الاردنيين , وفق منظومة صارمة فرضت هيبتها ووقارها على المحيط الخارجي قبل الجوار العربي , الى ان بات الاردن وحده يحظى بثلث الجامعات في الشرق الاوسط , رغم صغر الجغرافيا , لكن النفوس هي العظيمة .
واذعن الجوار وما بعد الجوار لهذا الانجاز , وما زلنا نذكر قوافل البعثات التعليمية التي كانت تأتي الى الاردن بداية كل صيف , فتحصد الخريجين حصدا لينداحوا في اقليم النفط , وما زالت صفحات الجرائد تشهد اعلاناتها طلب اكاديميين وخريجين , وكان الوسام لنا يومها ملاحظة في اخر الاعلان مكتوب فيها " يستثنى خرّيجي الجامعات الاردنية من شرط الخبرة ".
وقبلت جامعات الكون كلها شهادة " التوجيهي " الاردنية دون معادلة , بل ان اشقاء في دولة عربية نفطية ارجعوا سبب تراجع العملية التربوية عندهم الى الاستغناء عن الكوادر الاردنية التربوية
, وقبلها انتج الاردنيون مدارس عظيمة واداروها في اقطار الخليج العربي .
كل ما سبق تمهيد للولوج الهاديء الى ازمة نتائج الثانوية العامةبعد ان حاول بعض الوزراء التقليل من الخطيئة او ادخالها دهاليز المؤامرة السطحية , واقولها بملئ الفم " نعم هناك مؤامرة " وإني أتّهم ".
فمع بداية ملكه السعيد , الذي نتفيأ ظلال مناسبته الدائمة بإذن الله , نستذكر حرصه على التعليم وتطويره ورفعة شأنه , واخشى ان ازلف واقول ان نشاط الملكة ومبادراتها وحراكها , كان رسالة من الملك البلاد والعباد , تنقلها رفيقة الدرب وامّ " الحِبّ ابنٌ الحِبّ " .
فكان تطوير التعليم وادخاله ركب العصرنة اولى خطوات الملك , فحمل اجهزة الحاسوب الى مشارق البلاد ومغاربها , صحرائها وقراها , مدنها واريافها , بواديها ومخيماتها , حتى يكون الطالب الاردني مسلحا بالعلم الحديث كما هو مسنود بذخيرة الهيبة ووقار الارث التربوي .
واكملت ام الحسين المسيرة بمبادرات متتالية ومتصلة , ابتداء ً من مبادرة مدرستي الى مبادرة المعلم المتميز والمدير المتميز , لتكتمل كل حلقات التطوير التربوي برعاية ملكية سامية , حتى يبقى مخزون الدولة ومستقبلها على كامل استعداده للالفية الثالثة , وهل هناك اثقب من البصيرة الهاشمية في استشراف المستقبل .
وفي اخر لقاءاته الملكية كان جواب الملك عن المستقبل والاستعداد له بترديد مفردة التعليم ثلاث مرات " التعليم , التعليم , التعليم " ووصفه بضمانة المستقبل , كذلك كانت وصفة الملكة رانيا للحد من ظواهر الفقر والبطالة والارهاب هو التعليم .
ومن هنا ابدأفي قبول نظرية المؤامرة دون تسطيح السادة الوزراء , لتكون ضد وزير او حكومة , بل هي ضد وطن , فإذا كان الانسان مخزون هذه الدولة الاستراتيجي , فإن التعليم هو ذخيرة هذا المخزون وسنديانته وامله .
لأن الاساءة للعملية التربوية ورأس هرمها وختام مراحلها " التوجيهي " هو نخر في عصب هذا المخزون , او كمن يحرق ابار النفط في دولة نفطية , فهل هذا خطأ بسيط اقدم عليه قرص مدمج ؟
لن اقول كما يقول البعض , بأن حكومة تحرف نتائج ابرز امتحان فيها فيروسات اقراص مدمجة , كيف ستكون نتائج انتخاباتها الوطنية العامة ؟ فهذا ليس مقامه او شأن اخر .
لكني سأقول ان ماحدث في امتحان الثانوية العامة " رزء جلل " لا يكفيه اقالة وزير , ما زال ممسك برغبة بتلابيب مقعده وسط تبريرات حكومية ودعواتٍ لمطاردة فيروس مجهول النسب في سوق " الجورة " الشهير .
ان ما حدث يؤشر على فقدان الثقة بابرز دعامات العملية التربوية التي هي سند مخزوننا النوعي وابرز منجزاتنا الوطنية , في عالم يذعن لشهاداتنا , بل ويجعلها نموذجا للتطور في المحيط الاقليمي .
وقد يفتح علينا ابواب المغرضين والحاقدين والمتربصين , لتقليل وقار شهاداتنا , وحينها سنكون قد اضعنا – لا سمح الله – مخزوننا او احرقنا ابار نفطنا , فحوالات الابناء في الخارج هي اكبر سند لدخلنا القومي ولخزينتنا ,وما كان هذا ليكون لولا كفاءة الاردني وحسن تعليمه وتدريبه وتأهيله .
ولأن الجزاء مقرون بالضرر وحجمه , كما تقول قوانين الطبيعة , فإن الحل ان تتحمل الحكومة كلها وزر الخطأ , حتى تكون رسالتنا الى الدنيا كلها , أن العملية التربوية مصانة دائما وابدا , وأن ثمن دموع ساخنة سكبتها ابنة او ابن او اب وام من عائلة ابي الحسين غالية , فقد كنا على ابواب دمعتين عشية النتائج , دمعة فرح بقدوم وارث عرش ابيه واجداده ودمعة ذكرى على ملك بنى الوطن على هيئة الهاشمية نبلا وطهرا , فجاءت دمعة ثالثة حرقت مقلا وافسدت فرحة ,وحفرت فجوة ثقة , لا يردمها رحيل وزير بل حكومة بكاملها . (خاص ب عمون). |